محمد متولي الشعراوي

10362

تفسير الشعراوي

ثم يقول تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [ الفرقان : 2 ] فخَلْق الله تعالى ليس خَلْقاً كما اتفق ، إنما خَلْقه سبحانه بقَدَرٍ وحساب وحكمة ، فيخلق الشيء على قَدْر مهمته التي يُؤدِّيها ؛ لذلك قال في موضع آخر : { الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى } [ الأعلى : 23 ] . أي : أتوْا بآلهة غير الله ، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئاً ، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئاً ، ولكن هي أنفسها مخلوقة ، فاجتمع فيها الأمران . وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا : إن فيها شهبة تناقض ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخَلْق ، بدليل أنه جمعهم معه ، وهو سبحانه أحسنهم . وفي موضع آخر يقول سبحانه : { وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 49 ] . وللردِّ على هؤلاء نقول : تعالوْا أولاً نفهم معنى الخَلْق ، الخَلْق : إيجاد لمعدوم ، كما مثّلْنا سابقاً بصناعة كوب الزجاج من صَهْر بعض المواد ، فالكوب كان معدوماً وهو أوجده ، لكن من شيء موجود ، كما أن الكوب يجمد على حالته ، لكن الحق سبحانه وتعالى يُوجِد من معدوم : معدوماً من معدوم ، ويُوجده على هيئة فيها حياة ونمو